خليل الصفدي

164

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

الأشاعرة ويوما أراه يرى رأي الاعتزال ويوما أراه يرى رأي الحشويّة ويوما أراه يرى رأي ابن سبعين وينحو طريقه ، وكان يتكلم عن الأوفاق ويضعها ويتكلم على أسرار الحروف ويعرف الرمل جيّدا وله في كلّ شيء يتكلم فيه تصنيف ، وكان له نظم ليس بطائل وكان ربما عرض عليّ القصيدة وطلب منّي تنقيحها فأغيّر منها كثيرا ، وكان يتكلم في علم الكيمياء ويدّعي فيها أشياء ، والظاهر أنه كان يعرف ما يخدع به العقول ويلعب بألباب الأغمار ، ولقد توصل إلى أن طلبه الأفرم نائب دمشق ونفق عليه ودخل معه في أشياء وأوهمه منها أمورا فولّاه مشيخة الربوة ، وهو شيخ النجم الحطّيني الذي سمّره السلطان الملك الناصر أوائل قدومه من الكرك في المرة الثالثة بالقاهرة وجهّزه مسمّرا على جمل إلى دمشق لأن النجم هذا كان شيطانا جريئا قاتل النفس لعب بعقل جولجين جمدار السلطان واتّصل به بدمشق لما كان السلطان بها وأراه ملحمة عتقها وذكر فيها اسمه واسم أبيه وأمّه وذكر شامات في جسمه وآثارا توصل إلى معرفتها من غيره وقال له : أنت تملك ، فاطلع السلطان بعد مدّة فقتل جولجين ومن كان يحادثه في ذلك وجهّز أخذ النجم من قرية حطّين وسمّره ، وكان هذا النجم يخدم الشيخ شمس الدين المذكور لما كان شيخ خانقاه حطّين ببلاد صفد فورد عليهم إنسان أضافوه وأراد السفر في الليل وعلم النجم أن معه ذهبا فاتبعه وقتله فبلغت القضية الأمير سيف الدين كراي نائب صفد إذ ذاك وأحضر الشيخ شمس الدين المذكور وضربه على ما قيل لي الف مقرعة وعوقب ثم أفرج عنه ، ولهذا شمس الدين المذكور كتاب حسن في الفراسة جمع فيه كلام الشافعي وابن عربي وكلام صاحب المنصوري وكلام أفلاطون وكلام أرسطو فجاء حسنا رآه جماعة من الفضلاء فأعجبهم وكتبوه منهم الشيخ شمس الدين ابن الأكفاني وغيره وتناولته منه سنة أربع وعشرين وسبع مائة بعد ما كتبته بخطي ، وكان فكه المحاضرة حلو المنادرة يتوقّد ذكاء ، ولحقه صمم قويّ قبل موته بعشر سنين وأكثر